كتبت / سامية سليمان 

 

 

شخصية اليوم ،،،

ليست شخصية واحدة ، بل اثنتان ، هما الأم والإبنة ، وقد تكون الأسرة بأكملها ، فجميع أفراد الأسرة ابطال بمعنى الكلمة ، ويستحقوا الإشادة جميعًا .
الأم :حنان عزت محمود ممرضه عمليات بمستشفى كفر الدوار العام
والإبنة : منار نميري توفيق

عندما وصلت إليَّ الرسالة الخاصة بقصة اليوم ، رغم سطورها القليلة ، توقفت عندها كثيرًا وأنا أقرأها ، ووجدت الدموع تنساب من عيني لشدة ما أقرأ ، وكلما أقرأ سطرًا جديدًا ، أجد نفسى أعود لقراءة السطر السابق ، ويأخذنى التفكير فى كيفية كتابة تلك القصة ، وأقول لنفسى من هنا سأبدأ سرد الحكاية ، هذا هو الموقف الأهم ، هنا نقطة البداية ، وتكرر ذلك معي عدة مرات ، فالقصة مليئة بالمواقف الإنسانية المتعددة ، وظللت هكذا فترةً من الوقت ، حتى وجدت نفسى أشرع فى الكتابة ….

منار

وبدايتنا ستكون مع الإبنة منار….
منار فراشةٌ تتطاير وتتنقل بين الغصون ، وتبعث الفرح والمرح فى كل مكان ، بل هى زهرة برية يفوح عطرها فى كل الأرجاء ، حباها الله بصفاتٍ قلما تتواجد فى بنت بمثل عمرها ، فهى تتمتع بالجمال وبالروح الجميلة وبخفة الدم ، غير الأدب والأخلاق الجمة والذكاء والتفوق الدراسي وغيرها وغيرها من الصفات الطيبة .

وهى البنت الوحيدة للأسرة ولها شقيق يصغرها بعامين ، والأسرة الصغيرة يخيم عليها مشاعر الحب والدفء الأسري ، فالأب والأم يعملا على أن يوفران لأبنائهما كل سُبُل الراحة من أجل الإنتباه لدراستهما ، والتفوق فيها .
ويشاء القدر أن تصاب منار بمرض مناعي ( الذئبة الحمراء ) وهى فى مرحلة الثانوي وبدأت الحالة فى التدهور المستمر ، وذات مرة اختل توازنها اثناء امتحان العملى وسقطت من الدور الثالث ، وأصيبت بكسر متفتت فى الكعب وهو من أصعب انواع الكسور بشهادة استشاري العظام ، مما أعاق استكمال دراستها فى معهد التمريض لمدة سنة كاملة ، ثم سرعان ما استرجعت منار قواها وكمَّلت المسيرة. وتفوقت علميًا وادبيًا ، وشهد لها الجميع بذلك .

 

حنان.. والدة منار

واذ بالكورونا تظهر وتتغير حياة الناس جميعًا ومن ضمنهم هذه الأسرة الصغيرة ، فالواجب نادى على جميع جنود الجيش الأبيض ، وممن لبُّوا نداء الواجب فورًا كانت أم منار ، أو حنان بطلة قصة الليلة .

دخلت حنان الحجر فى مستشفى كفر الدوار وهى تترك وراءها تركة ثقيلة محملة بالهموم ، فالإبنة المريضة التى تحتاج لرعاية طبية خاصة ، ولرعاية أسرية من نوع مختلف ، والإبن المقبل على الثانوية العامة ، والزوج وجد نفسه هو المتكفل برعاية المنزل فى غياب زوجته ، وأصبح هو المنوط به كل شئ فى المنزل ، من رعاية الأبناء ، إلى أعمال المنزل وغيرها وغيرها .

وكلما كانت حنان تدخل الحجر لتؤدي عملها تجاه مرضى الكورونا ، كانت منار تشجعها وتوصيها خيرًا بالمرضى ، وتقول لها ( انتى بتمَرَّضي الناس هناك يا ماما ، وانا ربنا هنا هيحميني ، وماتقلقيش عليا ، ربنا عالم بحالنا وحيلطف بينا وترجعي لنا بالسلامه )

وكانت حنان كلما رجعت من الحجر إلى منزلها ، تجد منار على قدر المسئولية رغم مرضها الشديد ، وتجدها تشحذ من عزيمتها وهمتها وتقول لها ( انتى بتعملى هناك أكبر خير ممكن يتعمل فى الكون يا ماما ، واحنا كلنا وراكى وماتنعيش همنا ابدا ) .

وكانت حنان تعلم يقينًا ما يصيب منار فى غيابها من نوبات الألم الشديدة ، وكانت تعاني أشد المعاناة ، بسبب عدم استقرار حالتها ، وهنا يظهر الموقف البطولي لرب هذه الأسرة ، فالأب هو من يسهر ويراعي ويُمَرّض الإبنة المريضة ، وهو من يقوم بكافة احتياجات المنزل ، وكان ينبه على ابنائه مشددا بعدم إخبار أمهم بحالة منار الصحية ، عندما تتصل بهم من الحجر للإطمئنان عليهم وعلى صحة منار .

حتى أنه ذات يوم كانت منار بين الحياة والموت وعانت أشد المعاناة ، ولم يجدوا مستشفى يدخلوها فيها ، فقد كانت جميع المستشفيات مغلقة ، ورغم هذا قاموا بإخفاء الأمر عن أمهم حتى لا يُشغلوها بأمور المنزل وهى تكافح مع زملائها فى مجابهة الكورونا بالحجر .
وكانت حنان تعتبر أن منار هى من فى الحجر ، فهي تشعر فى داخلها بأنها مقصرة مع ابنتها ، لكنه نداء الواجب الذي لا يتنصل منه أحد ، ولا يرفضه إلا كل جبان .

وذات يومٍ لم يكن فى الحسبان ، انطفأ النور الذى كان يضوي فى منزل هذه العائلة الصغيرة ، وبارح الفرح والمرح المكان بلا رجعة ، وذهبت العصفورة الصغيرة بلا عودة ، وآن للروح الطاهرة أن تذهب إلى بارئها ، وعشش الحزن في أرجاء المكان ، وغابت الضحكة التى كانت تهز أرجاء كل ركن من أركان هذا المنزل الصغير .

هكذا هو الموت ، فكان مثلما يحصد أرواح الكثيرين فى الحجر بسبب مضاعفات الكورونا ، وتراه حنان كل يوم وهي فى المستشفى ، حصد روح منار فى المنزل بسبب آخر غير الكورونا ، فتعددت الأسباب والموت واحدٌ ، كما يُقال ، ورحلت منار وهى فى الشهور الأخيرة للتخرج من معهد التمريض ، وتركت وراءها أمٌ تعانى كل ويلات الألم ، وأبٌ ملأ الحزن قلبه وأصبح يتنفسه بدلاً من الهواء ، وأخٌ فقد الأخت الوحيدة له فى الحياه ، وهو مقبل على امتحان الثانوية العامة ، وأمامه ايامٌ قليلة ليؤدي الإمتحانات ومازال يعيش صدمة وداع أخته .

يالا عجائب القدر ، عندما يكتب روايته الحزينة على جدار هذه الأسرة الصغيرة ،
ما أصعب التفكير فى حال هذه الأسرة ، وما آل اليه حالها بعد فقدان منار .
الأم عليها أن تواصل عملها بالحجر لرعاية المرضى ، والأب عليه أن يذهب لعمله ، والإبن عليه أن يواصل دروسه لكي يدخل امتحانات الثانوية العامة .
كل هذا مطلوب من هذه الأسرة المكلومة المطحونة والمعجونة بماء الحزن والدموع .

عفوًا أعزائي …
لا أستطيع أن أكتب أكثر من هذا ، فحزني على منار التى عرفتها وأنا أكتبها بين السطور ، وحزني على حال هذه الأسرة ، لا يضاهيه حزن ، وادعو الله سبحانه وتعالى لمنار بالمغفرة وأن يجعلها فى أعلى عليين مع النبيين والصِدِّيقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقا .

كانت للأم رغبة فى رسالتها وهو أن يتم تكريم منار بدلًا منها ، وقدّمَت اعتذار لمنار عن انشغالها عنها فى أوقات وجودها بالحجر .
وأقول لها : سيدتي … لقد قمتِ بواجبك تجاه المرضى ، وقدمتِ كل ماتستطيعين لمنار ، وليس بأيدينا شئ مع الموت ، وواجبٌ علينا جميعا تكريمك وتكريم منار وتكريم الأسرة كلها ..
وبارك الله فى ابنكم وجعله عوضًا لكم .
وأنتم حقًا أسرة استثنائية بمعنى الكلمة .

( جاء ذلك نقلاً عن الصفحة الرسمية لمديرية الصحة بالبحيرة… ضمن مبادرة ” إنت استثنائية “

التعليقات

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: